عباس حسن

237

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

الزمان ظرفا ؛ تشبيها بالظرف الحسى - كالأوانى والأوعية التي توضع في داخلها الأشياء . وإذا كان الأمر هكذا فكل زمان مقرون - حتما - بالحادث المتصل به الواقع فيه ، وكثير من هذه الحوادث أمر عام يدل على مجرد « الوجود المطلق » من غير زيادة معنوية عليه . فهو معروف ، فلا داعى لذكره ؛ إذ لا فرق في المعنى بين : قولنا : « السفر حاصل غدا » ، وقولنا : « السفر غدا » لأنه هو والزمان متلازمان كما سلف ؛ فذكر الثاني كاف في الدلالة على وجود المحذوف ؛ فهو مع حذفه ملاحظ وكأنه موجود . هذا من الناحية العقلية المحضة « 1 » . وهناك شئ آخر يقولونه في شبه الجملة الواقع خبرا - أو غير خبر - من الأشياء التي سلفت ؛ هو : أن اللفظ الدال على الزمان لا يكمل وحده - بغير متعلقه - المعنى الأساسي للجملة ، ولا يستقل بنفسه في تحقيق فائدة تامة ، وإنما يجئ لتكملة معنى آخر فيما يسمى : « العامل » ؛ فليس من شأن اللفظ الزماني أن يتمم المعنى الأساسي المراد بغير ملاحظة العامل المحذوف ؛ فلو لا ملاحظته في مثل : « السفر يوم الخميس » لكان المعنى : السفر زمان ، وهذا الزمان يوم الخميس ، وبعبارة أخرى : السفر هو يوم الخميس نفسه ، ويوم الخميس هو السفر ، والمعنى - لا شك - فاسد ، لأن الثابت المقرر من استقراء كلام العرب يوجب أن يكون الخبر هو المبتدأ في المعنى ، والمبتدأ هو الخبر في المعنى كذلك . ومثل هذا يقولون في ظرف المكان ؛ فالمكان المجرد لا وجود له ؛ فمن المستحيل أن يوجد مكان لا تقع فيه أحداث جديدة ، أو تستمر فيه أحداث قديمة ؛ فالحوادث والأماكن مقترنان متلازمان على الدوام ، فذكر الثاني في الكلام كاف في الدلالة على وجود المحذوف الملاحظ حتما ، فيتساوى المعنى بين : « علىّ موجود في البيت » و « على في البيت » . هذا إلى أن ظرف المكان وحده بغير ملاحظة عامله المحذوف لا يتمم المعنى الأساسي المراد ، ولا يكمل القصد ؛ فالمكان إنما يجئ لتكملة معنى ، ولا يمكن

--> ( 1 ) بل إن الظرف بنوعيه لا بد أن يدل في أصله على : « الوجود المطلق » ثم يمتاز « اللغو » بدلالته - فوق هذا - على معنى خاص آخر كالأكل أو الشرب أو غيرهما مما يزاد عليه فيجعله خاصا مقيدا بعد أن كان عاما مطلقا . وسيجئ للموضوع بيان في باب : « حروف الجر » . عند الكلام على شبه الجملة - رقم 2 من هامش ص 413 - .